اعلان شهد 1

من ثورة الشيخ صالح العلي .. إلى الجلاء .. قصة كفاح

الشيخ

إعداد : اسماعيل اسماعيل

مخطط البحث:

– مقدمة
– الثورات السورية
– الثورة السورية الكبرى
– ثورة الشيخ صالح العلي ( المرحلة الأولى )
– بدء الثورة
– نصر عسكري
– نصر دبلوماسي
– كيف انتهت المرحلة الأولى
– الشيخ والوحدة الوطنية
– الثورة والطائفية
– الشيخ ومعاملة الأسرى
– المرأة في الثورة
– الشيخ صالح في نظر الفرنسيين
– الشيخ صالح في نظر القادة المعاصرين
– ثورة الشيخ صالح العلي ( المرحلة الثانية )
– معارك الشمال
– نهاية الثورة
– اختفاء الشيخ
– حجم الثورة
– محطات صعبة في مسيرة الثورة
– كلمات ثلاث لابد منها.
***************************
مصادر البحث : اليقظة العربية جورج أنطونيوس
الثورة العربية الكبرى قدري قلعجي
الثورة السورية الوطنية مذكرات د . عبد الرحمن الشهبندر
ثورة الشيخ صالح العلي د . عبد اللطيف اليونس
صالح العلي شاعرا ًوثائرا ً حامد حسن
الشيخ صالح العلي أوراق وشهادات قيس ابراهيم عباس
صفحات مجهولة من ثورة الشيخ صالح العلي عيسى أبو علوش
الثورات السورية آصف شوكت
***************************

المجاهد الشيخ صالؠالعلي

مقدمة :
لكل حدث حقيقي في التاريخ مكان وزمان .. والحدث الذي أتناوله الآن – كمقدمة للثورات السورية – له
مكان .. وهو معظم أنحاء العالم . أما الزمان فهو عام 1918م وتحديدا ً نهاية العام في شهر تشرين الثاني حين توقفت آلات الدمار بعد أن عملت أربع سنوات متواصلة دون كلل أو ملل .
انقطع أزيز الطائرات ، وسكتت المدافع ، وخمدت النيران ، وتنفس العالم الصعداء ، وسعد بنعمة السلام القادم .. لأن الحرب العالمية الأولى قد انتهت . وتداعى المنتصرون خيلاء ًوجروا المنهزمين إذلالا ًإلى ماسمي مؤتمر الصلح .. ولكنه في الحقيقة كان مؤتمر الظلم . وكما تعلمون وترون ليس جديدا ً أن يصل الحمقاء إلى قيادة العالم ، فيصلونه بشرورهم وآثامهم . والتاريخ حوادث تتولد منها حوادث وأسباب تؤدي إلى نتائج . وأفظع نتيجة لهذا المؤتمر الصلح كانت الحرب العالمية الثانية.
لسنا بصدد هذا البحث الطويل ، بل بصدد الويلات التي خصت العرب من هذا المؤتمر، وماتلاها من صفقات .
خاض العرب الحرب مع المنتصرين وعوملوا معاملة المهزومين . حضروا المؤتمر بأمل الحرية والاستقلال .. وخرجوا منه مستعمَرين بصيغة الانتداب .
لم يكن العرب يصدقون أن بريطانيا – وهي الدولة العظمى في ذلك الوقت – تحنث بوعودها وتخون حلفاءها .. أو أنها اتفقت – سرا ً – مع فرنسا على اقتسام تركة الرجل المريض والمهزوم .. أي : الإمبراطورية العثمانية . أو أنها قد تبرعت بفلسطين ليهود العالم ، يقيمون عليها وطنهم القومي . والأحداث تتالت بسرعة .. وفرنسا التي تعرف خداع صديقتها بريطانيا ، وتراجعها عن اتفاقاتها ، أسرعت لاحتلال الساحل السوري . وضربت عرض الحائط بحلم عربي كاد يتحقق .. وبدا أن لادولة عربية .. ولا استقلال .
أنزلت فرنسا الأعلام العربية عن كافة دوائر الدولة ، من رأس الناقورة ، حتى اسكندرون .. بل ومزقتها مستهينة برافعيها ومناصريها . واحتلت جيوشها الساحل كاملا ًمع كيليكيا ، كما هي حصتها في اتفاق سايكس بيكو . وباء العرب بالخيبة والخزلان . وبدا لهم أن الحرب التي شاركوا فيها أدت – فقط – إلى تبديل مستعمر بمستعمر. وأن بريطانيا وفرنسا تقبضان الآن ثمن قوتهما وانتصارهما . و أدرك أحرار العرب أن الاستفلال يؤخذ ، ولا يعطى .. ولا سبيل لاسترجاع ما أخذ بالحرب ، إلا بالحرب . والثورات اللاحقة سوف تعيد خسارة الحرب السابقة .
الثورات السورية:
كانت المنطقة الساحلية أولى الأراضي التي احتلتها فرنسا .. وفيها قامت أول مقاومة ، وهي ثورة الساحل بقيادة المجاهد الشيخ صالح العلي . وهي الثورة التي سأتحدث عنها بتوسع ، لأنها جزء من تاريخنا.. بل وتراثنا .

الشيخ بدر
الشيخ بدر

ولكن أبدأ باستعراض موجز لأهم الثورات في القطر .
إن ثورة المناضل الكبير ابراهيم هنانو من الثورات المبكرة أيضا ً.. لأنها قامت قبل احتلال دمشق ، وذلك لأنها شملت المناطق الشمالية الغربية من سورية ، بما فيها القصير ، واسكندرون شمالي الساحل . ويجب أن نذكر هنا أن من ابتدأ بالثورة في اللواء ، كان الزعيم صبحي بركات .. الذي سرعان مااستجلبته فرنسا إلى صفها ، وعينته في أعلى المناصب في سورية المحتلة . ثم قامت ثورات في جبل عامل ، وتلكلخ ، وحوادث كثيرة تثبت أن أية بقعة من هذا الوطن لم تستقبل المحتل بالترحاب .. بل بالمقاومة .. طال أمدها أم قصر .
كان ابراهيم هنانو الثائر ، يحمل شهادة الحقوق من الأستانة .. وكان موظفا ً في الإدارة العثمانية .. وسرعان ما التحق بالثورة العربية .. وشغل منصب رئيس ديوان محافظ حلب في حكومة سورية المستقلة .. وانتخب عضوا ً في المؤتمر السوري عام 1919م . وقد شملت ثورته بلدته كفر تخاريم وجبل الزاوية ومنطقة جسر الشغور التي احتلتها قواته بالتعاون مع مجاهدي الحفة بقيادة عمر البيطار .. وكان هذا الاحتلال بناء ً على اقتراح موفدي الشيخ صالح إلى هنانو لتكون جسر الشغور نقطة وصل بين الثورتين . ولقي هنانو دعما ً من تركيا الكمالية وقدم له مصطفى كمال السلاح دون مقابل . ثم عمت هذه المساعدة ثوار الحفة ثم ثورة الشيخ صالح . وكان الشيخ يثني على ابراهيم هنانو .. ويعترف بفضله في استمرار الثورة لمدة أطول . لقد نجح هنانو في معركة ( إسقاط ).. وهذا النجاح شجع كثيرا ً من المجاهدين للانضمام إلى الثورة . وقد استطاعت فرنسا احتلال كفر تخاريم مركز الثورة ، بعد أن هاجمتها بقوة قوامها ( 15000) جندي .. أي أكثر من عدد سكان البلدة . واحتلال مركز قيادة الثورة لم يؤد إلى توقف الثورة . بل استمرت بشكل عصابات تقطع طرق المواصلات والسكة الحديد وأسلاك الهاتف . وعندما أعلنت فرنسا عفوا ً عاما ً عن الثوار الذين يلقون أسلحتهم ، استجاب كثير من المقاتلين أمام ضغط الاحتلال ، وتخريب القرى ، والإعدام دون محاكمة ، والانتقام . فدب اليأس ، واستسلم من استسلم .. أما هنانو ، فقد فضل اللجوء إلى الأردن – على بُعد المسافة – ولم يلجأ إلى تركيا التي هي على مسافة قريبة .
ثم احتلت سورية في 24 تموز 1920م بعد المعركة الشهيرة التي قادها يوسف العظمة في ميسلون .
لقد تصدى للفرنسيين بقوة بسيطة من بقايا الجيش العربي المسرّح . و أعظم سلاح لدى مقاتليه كان حبّ الجهاد .
عندما ذهب يوسف العظمة إلى المعركة ، أودع ابنته الوحيدة عند ساطع الحصري وزير المعارف .. واستأذن الملك فيصل ( بالذهاب إلى الموت ) .. والعبارة بحرفيتها .
وقد شرح يوسف العظمة لماذا يقاتل والنتيجة معروفة ومحسومة .. وخلاصة شرحه : أن أي قتال مهما كانت نتيجته ، يؤدي إلى عدم بقاء فرنسا طويلا ً في سورية . لأن هذا القتال سوف يجر وراءه قتالا ً ومقاومة .
إذن .. مات يوسف العظمة من أجل الأحياء الذين سيبقون بعده . وتلك أعلى مراتب الشهادة .
الثورة السورية الكبرى :
جبل العرب ، شأنه شأن الجبال الساحلية . أقامت به فرنسا دويلة سمتها باسمها الطائفي دولة جبل الدروز . ولم يخفف نقمة أهل الجبل تعيين حاكم على هذه الدولة من أبنائها ، وهو سليم الأطرش . وعندما توفي هذا الحاكم ، عينت فرنسا حاكما ً فرنسيا ً مكانه ، وهو الكابتن كاربييه ، السيء الذكر.. والسيء الخلق .. والمشهور بحماقاته . فألحق إهانات عديدة بأهل الجبل وزعماء الجبل .
بدأت الثورة بالاحتجاجات .. ثم بالتظاهرات .. ثم بالصدامات .. ثم نفي الزعماء إلى تدمر والحسكة . ولم يكن أهل الجبل بمعزل عن الحركة الوطنية السورية . وقد نسّقوا مع الزعماء الوطنيين في دمشق .. وجرت اجتماعات سرية خرج منها المجتمعون بأن لا بدّ من الثورة . وأخذ سلطان الأطرش يتجول في قرى الجبل بشكل استعراض قوة .. ويحمّس الناس على القتال.. وكانت المعركة الأولى معركة الكفر.. وحقق فيها الثائرون نصرا ً كبيرا ً ، بقيادة سلطان . وقد ألقى هذا النصر مقاليد قيادة الثورة على هذا القائد بالنجاح الذي أحرزه . وفي معركة ثانية هي معركة المزرعة ، تغلب الثائرون على جيش كبير يقوده الجنرال ميشو.. وجرت هذه المعركة بكافة صنوف الأسلحة ، بالمدافع ، والطائرات ، والرشاشات ، والبنادق ، وأخيرا ً بالسيوف .. ويقول د . عبد الرحمن الشهبندر في مذكراته ، عن هذه الثورة :
” … وقد زرت ساحة هذه الملحمة ، مرارا ً.. وحاولت أن أحصي عدد الجثث الملقاة فيها ، فلم أفلح ، لسعتها .. وحسبي أن أقول أنني مشيت من عين المزرعة ، إلى الطريق المعبدة مغرّبا ً نحو ساعتين بين الجثث والعتاد الملقى على الأرض ، فلم أنته ِ منها …”
وكانت معركة المسيفرة من أضرى المعارك لأن العدو فوجئ بها ليلا ً. وفي هذه المعركة مثال على البطولة لا يرقى إليه مثال ، وهو استشهاد ( بيت حمزة ) جميعا ً : الشباب الأربعة .. والأب .. والأم .. ولتخفيف الضغط على أهل الجبل ، اشتعلت الثورة في حماه .. وقد قادها الضابط فوزي القاوقجي .. وهاجموا الثكنات في حماه ، وعندما اشترك طيران العدو في المعركة ، استطاعوا إسقاط طائرتين . وفي دمشق حدثت ملحمة كبرى ، اشترك فيها أبناء الجبل أنفسهم .. فردّ الفرنسيون بقصف المدينة بالمدفعية والطائرات ، ليلا ً ، دون تفريق بين حيّ وحيّ . وعلى إثرها انسحب المجاهدون ليخفّ الضغط على الآمنين في المدينة . وانتقلت المعارك إلى الغوطة . وقد أبلى في معارك الغوطة المجاهد حسن الخراط ، الذي حارب في الجبل ، ثم في دمشق ، ثم في الغوطة . وامتدت الثورة إلى القلمون . ودارت معركة في النبك .
إن فرنسا لم تدخل سورية بالتهليل والترحيب . ولم تخلُ منطقة في سورية من معركة وشهداء ممن خُلدت أسماؤهم ، وممن لم تذكر. ولا ننسى المعارك التي قام بها الدنادشة ، وأهل تلكلخ .. والصدامات التي قامت بها العشائر البدوية . فقبيلة ( الموالي ) شمال حماه هاجمت المخافر العسكرية في معرة النعمان .. وقبيلة ( القعيدات ) هاجمت الفرنسيين في دير الزور .. وقبيلة ( الفدعان ) شرقي حلب ، كانت تتعاون مع ابراهيم هنانو . وعشيرة ( الفضل ) في الجولان هاجمت الجنرال غورو ، ورئيس دولة دمشق حقي العظم . وأهل حوران هاجموا المسؤولين السوريين في حكومة الاحتلال ، والجنود الفرنسيين المرافقين لهم .
لقد ألفتْ كتبٌ عدة عن المقاومة السورية للاحتلال الفرنسي . وذكرت حوادث وثورات في مناطق شتى من هذا القطر . ولكنها جميعا ً لم تستطع أن تستوعب كل حكايا المقاومة التي مازال الأبناء يروونها عن الآباء والأجداد .
إن مسيرة المقاومة في كافة أقطار الوطن العربي مسيرة متشابهة ، تتبدى بالمقاومة المسلحة والثورات والشهداء . وعندما يتغلب المحتل بقوته يتحول النضال إلى نضال سياسي تقوده الأحزاب والجمعيات والنقابات . ويتجلى في التظاهرات والاحتجاجات والشكاوى إلى المنظمات الدولية .
هذه مسيرة كفاح الشعب العربي السوري الذي تتوج بالاستقلال عام 1946م . ولم تجلُ فرنسا عن سورية إلا بعد أن ودّعتها بعمل يندى منه جبين الإنسانية ، عندما ضربت البرلمان السوري ، وقصفت دمشق بالقنابل ، وارتكبت مجزرة أثارت اشمئزاز العالم والمنظمة الدولية .
ولم يكن الجلاء منحنة ً من فرنسا .. ولا هِبة ً من هيئة الأمم المتحدة .. بل ثمرة كفاح ٍ طويل . والاستقلال – كما قال فيصل – يؤخذ ولا يعطى .

ثورة الشيخ صالح العلي / المرحلة الأولى في الجنوب

بدء الثورة:

لم يكن قرار الثورة قرارا ً فرديا ً اتخذه الشيخ بمفرده . فعندما نزل الفرنسيون في الساحل السوري ، وأنزلوا العلم العربي عن سرايا الحكومة ومزقوه .. دعا الشيخ إلى مؤتمر في الشيخ بدر حضره عدد من الزعماء من مختلف مناطق الجبل . وبعد مداولات اقتنع المؤتمرون أن فرنسا سوف تحتل الساحل وسوف تفصله عن الداخل . ووافقوا على مواجهة الفرنسيين ، وسلموا القيادة للشيخ صالح . ولما علمت فرنسا بالمؤتمر أخذت باعتقال من حضره . وعجزت عن اعتقال الشيخ ، فأرسلت قوات لاعتقاله ، فتصدى لها في موقع النيحا شرقي الشيخ بدر .. وكانت المعركة الأولى وهي هزيمة غير متوقعة للفرنسيين ، وكان ذلك في أواخر عام 1918م .
فكانت الرصاصة الأولى في مقاومة الفرنسيين . وجرّ هذا الانتصار انتصارات أخرى .. وكانت المعارك لصالح الشيخ والمجاهدين معه في غالبها . وكانت الظروف الوطنية مساعدة . لأن دمشق لم تحتل بعد ، والحكومة العربية فيها بقيادة الأمير فيصل تدعم حركات المقاومة .
نصر عسكري :
إن معارك ثورة الساحل السوري واردة في الكتب التي أرّخت لها . وليس من المناسب تتبّع جميعها في وقت قصير كهذا .. ولذلك أورد نموذجا ً من المعارك واحدا ً فقط ، وهو نموذج توصّل إليه المجاهدون بعد خبرة ودراية ومراس شديد . لقد استطاع المجاهدون أن يجرّوا القوات الفرنسية إلى واد ٍ تحيط به المرتفعات ، فقد أخذوا ينسحبون بالتدريج أمام القوات الفرنسية الزاحفة من الغرب حتى استدرجوها إلى موقع وادي العيون . وعندما بدأت الحملة الفرنسية بإنزال أحمالها ، ونصب خيامها ، أصلاها المجاهدون بنارهم من كافة المرتفعات التي تحيط بالوادي . وكانت الخسائر فادحة والهزيمة منكرة . فالجنود الفرنسيون لم يعرفوا طريقا ً ينهزمون منه ، فاتجه من نجا منهم شمالا ً ثم غربا ً بحثا ً عن ملاجئهم في ثكناتهم الساحلية .
كانت الحملة بقيادة الجنرال بولانجيه .. وهو القائد الأعلى في الساحل السوري . وقد حمله الفرنسيون مسؤولية الهزيمة ثم حاكموه ونزعوا رتبته العسكرية مع اللوم والتقريع .
نصر دبلوماسي :
بعد معركة وادي العيون ، والفشل العسكري الفرنسي فيها ، توسط الجنرال اللنبي لإنهاء القتال بين الطرفين . ولم يجد الشيخ مصلحة ً للثورة في معاداة فرنسا وبريطانيا في آن واحد . فقبل المفاوضات ، ولكن بشروط أملاها هو :
– أن تكون المفاوضات في الشيخ بدر ، وليس في طرطوس ..
– والزعماء الموالون لفرنسا الذين أصرّت فرنسا على إحضارهم ، لايكون لهم حق الكلام أثناء المفاوضات ، بل الاستماع فقط . وأثناء جلسات المؤتمر قام بعض الزعماء خطباء في الجماهير المحتشدة المترقبة نتائج المؤتمر .. فهاجموا في خطبهم الشيخ والثورة .. ودعوا أتباعهم للانفضاض من حوله .. ولما علم الشيخ بهذه المؤامرة ، انسحب من المفاوضات ودعا المجاهدين للانسحاب معه ، وعاد إلى بيته في الرستة / الحي الذي يقيم فيه/ وتوسط الضابط الإنكليزي ليعود الشيخ إلى الشيخ بدر، فرفض . فعرض عليه أن يذهب الضابط إلى بيته في الرستة للتفاوض ، فقبل أن يأتي الضابط الإنكليزي فقط ، ولم يقبل مجيء الضابط الفرنسي . وأصبح الإنكليزي ينتقل بين الطرفين حتى توصلوا إلى الاتفاق المشرّف للثورة ، لو أن فرنسا كانت صادقة في نواياها . لقد توصلوا إلى مايلي :
جلاء الفرنسيين عن كامل الساحل السوري ، وربطه بحكومة فيصل في دمشق . ولم يبق للفرنسيين حسب هذا الاتفاق في الساحل السوري إلا حق المرور لقوافلهم غير العسكرية ، المتجهة نحو الشمال في كيليكيا .. والتعويض عن جميع الخسائر وإعادة الأسرى والمنفيين وهدنة لمدة ستة أشهر . وفعلا ً بدأت الهدنة وبدأت لجنة ثلاثية من المجاهدين والإنكليز والفرنسيين بالجولة على القرى وتقدير الخسائر وتسجيلها .
كيف انتهت الحرب الأولى :
تولى الجنرال غورو بنفسه مهمة القضاء على الثورة . فبدأ هجومه من الشرق ، لأن سورية الداخلية قد احتُلتْ ، باتجاه مصياف ، واحتل قلعتها ثم سير جيوشا ً باتجاه الجبال المحيطة بها / جبال القماقم / واستطاع المجاهدون تحقيق نصر عظيم عندما فصلوا مقدمة الجيش عن مؤخرته . وأوقعوا بالمؤخرة خسائر جمة . لكن الهدف من المعارك لم تكن مصياف ولا القماقم . كانت خدعة الجنرال القديم خدعة ناجحة . لقد استطاع بمكره أن يجرّ المجاهدين إلى الشرق ليُخلو المنطقة الغربية ، فيهاجم في الغرب . وهذا ماحدث . فقد تقدمت جيوش من الساحل فاحتلت مركز قيادة الثورة والقرى المجاورة ، أي الشيخ بدر وماحولها . فكانت الصدمة الكبيرة للمجاهدين لأن نساءهم وأطفالهم أصبحوا رهائن بيد الفرنسيين . فتملكهم الخوف وشعروا باليأس وأن لاجدوى من هذه المقاومة ، خاصة وأن دعم الحكومة المستقلة في دمشق قد انقطع لأن دمشق محتلة .
وبقي الشيخ وحيدا ً لأن المجاهدين عادوا إلى قراهم بحثا ً عن أطفالهم ونسائهم . وثلاثة مقاتلين فقط بقوا مع الشيخ . ورفض الاستسلام وتوجه مع رفاقه الثلاثة إلى الشمال حيث أخواله آل عيد في قرية بشراغي . كان ذلك أواخر عام 1920م . وإذا علمنا أن الثورة بدأت أواخر عام 1918م فإن هذه المرحلة مرحلة الجنوب قد استمرت عامين كاملين .
الشيخ والوحدة الوطنية :
ذكرتُ سابقا ً عند الحديث عن بداية الثورة أنه عقد مؤتمر في الشيخ بدر وقرر مجابهة فرنسا . وأرسل الشيخ إلى فيصل يعلمه بقرار المؤتمر . وهذا يعني الانضواء تحت لواء الحكومة العربية في دمشق . وإن كان هذا الأمر يبدو عاديا ً في زمننا فإنه منذ تسعين عاما ً ، عندما حدث ، لم يكن أمرا ً عاديا ً . إن الساحل جزءا ً من ولاية بيروت والتي بيروت مركزها . والشيخ سجل بذلك سبقا ً في إعادة الوحدة مع سورية الداخلية .
هذا من جانب .. ومن جانب آخر خلال كل المفاوضات التي جرت بين الشيخ وفرنسا بتورط بريطانيا كان المطلب الأول ضم ّ الساحل إلى سورية الداخلية .
وعندما عرض عليه مصطفى كمال أتاتورك المعونة والتنسيق وأرسل له رسالة مع الضباط الأربعة ، أعلم الشيخ فحوى الرسالة إلى فيصل .. وفي جوابه لمصطفى كمال ، طلب أن يكون التنسيق عبر حكومة دمشق .
وفي صفحة مطوية من تاريخنا .. أن عام 1936م أي ، عام التفاوض مع فرنسا ، قد أحدث انقساما ً في دولة العلويين التي كانت قائمة في ذلك الوقت .. وتجلى هذا الانقسام في أن المستفيدين من التجزئة ، ومن وجود دولة العلويين ، أرسلوا برقيات إلى فرنسا يطالبونها بإبقاء دولة العلويين مستقلة .. وإذا تعذر ذلك ، فلتكن تابعة لبيروت ، كما كانت في العهد العثماني . وقد ردّ دعاة الوحدة ببرقيات مماثلة ، تطالب بوحدة القطر ، ومن الموقعين على هذه البرقيات ، الشيخ صالح وعديد من الوحدويين المسلمين والمسيحيين .

الثورة والطائفية :

إن الثورة حالة إنسانية راقية . الثورة غيريّة ، وليست أنانية . والثورة التي نحن بصددها ، ثورة وطنية لأبناء الوطن جميعا ً . لقد تطوع في هذه الثورة مقاتلون من كافة أطياف الجبل .. وهذا ينفي عنها صفة العشائرية . وانضمّ إليها مقاتلون من أنحاء شتى من هذا القطر .. فهي ليست طائفية . وأذكر بعض الأمثلة :
– لقد شكل الزعيم اللاذقاني أسعد هارون فوجا ً عسكريا ً ضمن الثورة ، من أبناء اللاذقية وجبلة وبانياس والحفة وطرطوس ومصياف وحمص وحماه .. وسماه : ( الفوج الملي ) لأنه يجمع عدة ملل .. وشكله في حماه .. وقاد كتيبة الفدائيين في هذا الفوج الضابط اللاذقاني الآخر جميل ماميش .. الذي كان مرافقا ً للشيخ في كافة معاركه .
– ثم إن التبرعات والمعونات التي كانت تقدم لهذه الثورة ، كانت تأتي من المدن الداخلية ، وخاصة مدينة حماه .
– ولا يستطيع أي مؤرّخ للثورة أن يهمل دور أهل قلعة الخوابي فيها . وقد كان آل عدرة / بيت المحمود / أمانة سرّ للثورة . يتلقون المراسلات ، ويجيبون ، ويترجمون ، ويدوّنون كل مايتعلق بالثورة .. ويخوضون المعارك إلى جانب الشيخ .
– والعمل العظيم الذي قام به أهل القرى المجاورة لبانياس ، عندما احتلوا قلعة المرقب ، بطولة لا ينساها أبناء الوطن .
إن الثورة حالة إنسانية راقية ..
والشيخ هو القائل :
{ تودّون – باسم الدين – تفريق أمة ٍ تسامى بنوها فوق دين ٍ ومذهب ِ
تعيش بدين الحبّ قولا ً ونيّة ً وتدفعُ عن أوطانها كلّ أجنبي
وما شرعُ عيسى غير شرع محمد ٍ وما الوطنُ الغالي ، سوى الأمّ والأب ِ }
والشيخ صالح من الشعراء الذين يقولون ما يفعلون .
الشيخ صالح ومعاملة الأسرى :
يقول الدكتور عبد اللطيف اليونس :
” ….. ثم إن معاملة الأسرى – وأكثرهم كانوا من المغاربة – تفوق أية معاملة مماثلة . فكان إذا أسر أحد جنود العدو ، يأخذ عليه العهد ألا يعود إلى ساحة القتال مرة أخرى . ويطلق سراحه . وكانوا يرفضون العودة إلى ميدان القتال مرة أخرى . وكان بعضهم يفرّ من الجيش الفرنسي وينضم إلى صفوف المجاهدين ….” ويتناقل الناس في إحدى القرى المجاورة ، أن فرنسا أعدمت جنديا ً مغربيا ً لأنه رفض إطلاق النار على الشيخ صالح .
ويروي الأستاذ حامد حسن ، أن لقاء ً جمع بين الشيخ صالح وضابط فرنسي كبير ومعه مرافقوه من الجنود الفرنسيين ، وعرض الضابط على الشيخ المال والمناصب والجاه ، فرفضها الشيخ جميعها . فاستغرب الضابط الفرنسي قائلا ً :
– إذن لماذا تحاربنا ..؟!
فغضب الشيخ وقال مامعناه :
– أنا لا أطلق الرصاص على الفرنسيين في شوارع باريس ، بل أنتم تحاربوننا في جبالنا ومدننا . ( وكان الشيخ قد عرّف المقاومة ) .. وأضاف الشيخ : ( إذا لم تستح ِ ، فافعل ماتشاء ) .. فأشار الضابط إلى مرافقيه ، فصوبوا بنادقهم باتجاه الشيخ ، وأعطى الشيخ بدوره إشارة مماثلة لأعوانه ، فصوبوا بنادقهم نحو الجنود الفرنسيين ، وأحاطوا بهم ، ونزعوا سلاحهم ، وأسروهم . وعندما قدم الطعام لهم رفضوه . فجاء من أفهمهم أن رفض الطعام عند العرب إهانة ، فأكلوا .. ولما مرّ الشيخ بهم قال :
– أكلتم من طعامنا ، فأنتم آمنون .. وهذه تقاليدنا ..
ثم قال :
– أطلق سراحكم ، وأصفحُ عن غدركم .. فالصفحُ من شيمنا .. والغدر من سجاياكم .
المرأة في ثورة الشيخ صالح :
إن الرجال المقاتلين في الثورة أصبحوا عُصاة ً ، وخارجين عن القانون .. بل ، وملاحَقين من قِبَل السلطة الفرنسية . لذلك تغيبوا عن بيوتهم ثم إن المعارك كانت تتطلب غيابهم لأسابيع وأشهر . فتحملت المرأة كافة أعباء الأسرة .. فهي التي تدير أمور بيتها .. وهي التي تحرث الأرض وتزرعها وتحصد الزرع وتدرسه . ثم إن بعض النساء كنّ يقمن بدور المراسل .. فينقلن الرسائل من بعض مناطق الثورة إلى مناطق أخرى .. وذلك لعدم الاشتباه بهنّ .. أو عدم تفتيشهنّ . ويذكر أحد المقاتلين أن ( حبابة ) زوجة الشيخ ، كانت ترافقه في المعركة . وكانت تلقم له البارودة الفارغة .. لأن الشيخ كان يقاتل ببارودتين .. بل كانت تتفقد الحرس ليلا ً ، ومن وجدته نائما ً ، أخذت بارودته .. وشهيدات الثورة كثيرات .. سجلت كتب التاريخ بعضا ً منهنّ .
الشيخ صالح العلي في نظر الفرنسيين :
ورد في الكتاب الذهبي لجيش الشرق مايلي :
” احتلت جيوشنا مدينة اللاذقية في أواخر 1918م وعلى الأثر أعلن بعض العلويين العصيان علينا .. وكان يقودهم ويدير شؤونهم الشيخ صالح العلي أحد الرؤساء الإقطاعيين في البلاد . وقد استطاع ذلك الطاغية وأنصاره أن يحتفظوا بالجبل العلوي حتى نهاية 1921م . ولم ينفكوا طوال هذه المدة يهاجمون وينكلون بمراكز جنودنا ومعسكراتنا .”
وفي مكان آخر يرد في الكتاب :
” …. وقد أعلن شيخهم العصيان علينا منذ نهاية 1918م ومنذ ذلك الحين حتى نهاية 1921م ( حدد مدة الثورة ) لم ينفك الشيخ صالح وأنصاره الذين يقطنون منطقة الشيخ بدر يظهرون عداءهم لنا وذلك بمهاجمتهم مراكز جنودنا وفرقنا ….”
ويرد في مكان آخر :
” …. وما أقبل شهر نيسان 1920م حتى عمّت الثورة جميع البقعة الكائنة بين القرداحة شمالا ً وصافيتا جنوبا ً والعاصي شرقا ً ورواق ساحلي ضيق غربا ً ….”
وعن المجاهدين يقول الكتاب :
” …. والثوار الذين يشبهون الجان باختفائهم المفاجئ وظهورهم المفاجئ وبمناوراتهم الشيطانية الغريبة ….”
وفي مكان آخر :
” …. ولكن عناد الشيخ صالح وشراسته لا تزال تصلي من حولنا النار . إن هذا الرجل خطر ومخيف . وقد تشرّب مبادئ الملك الهارب فيصل .. فأصبح يحارب دون عقل . إنه رجل عنيد حقا ً .. وهو يحارب دون أمل .”
الشيخ صالح في نظر القادة المعاصرين :
الضابط جميل ماميش الذي أرسله الأمير فيصل ليقود كتيبة الفدائيين في الفوج الملي ، قدّم شهادة عن الشيخ ، أقتطف منها مايلي :
” عظيم الثقة بالله .. كنا نستيقظ مبكرين كل يوم فنجده قد استقبل الكعبة الشريفة وشرع في الصلاة …”
” …. كان يرسم الخطط الحربية ، ثم يدعونا للنقاش فيها وإقرارها . ويرسم لكل منا الخطة التي يجب عليه اتباعها عند الهجوم وقبله وبعده . وإذا صدف أن اختلفنا معا ً ، فإنه كان يصرّ على رأيه ثم تأتي النتائج فتثبت أنه كان على حق وكنا على خطأ ….” .
” …. كان يهيمن على جميع مرافق الثورة . فكان يعزل الضباط ويعين آخرين وينقلهم من هنا إلى هناك ويستبدل بأحدهم آخر . ولم يكن يستمع إلى نصيحة أحد ، ولا يصغي إلى ملاحظة إنسان في القضايا التي كوّن فكرة ً عنها . وكان يحتفظ لنفسه بجميع السلطات والصلاحيات .. فلا سلطة إلا سلطته ، ولا إرادة إلا إرادته . ولم نكن نتبرّم من ذلك نحن الضباط النظاميين ….”
الأمير فيصل ، أرسل ابن عمه الشريف عبد الله ليتأكد من وجود ثورة حقيقية .. وعندما عاد إلى دمشق ورفع تقريره إلى الأمير ، بدأت المساعدات تصل من دمشق إلى مواقع الثورة .
يوسف العظمة ، وزير الحربية ، اجتمع بالشيخ صالح في قرية السويدة جنوب مصياف في أيار 1920م وأعجبَ القائدان كلّ ٌ بنظيره . كنا شابين من عمر واحد .. ولدى كل منهما من الحماس والتضحية مالدى الآخر .. وتعاهدا على استمرارالقتال .
الزعيم الهندي العظيم ، المهاتما غاندي ، أرسل رسالة ً إلى الشيخ صالح ، جاء فيها ( حسب ما أورد الأستاذ حامد حسن ) : ” مُدّ يدكَ ، أبايعكَ على أني في الشرق الأقصى كما أنتَ في الشرق الأدنى ، لكبح جماح الغربيّ النهِم .”
الجنرال غورو ، كان يصف الشيخ صالح بأنه بطل الفوضى والبغضاء لنا .
الجنرال اللنبي ، كان في رسائله التي يتوسط فيها لدى الشيخ لإجراء مفاوضات مع الفرنسيين ، يستغرب موقف الشيخ إذ كان على الشيخ – حسب رأي اللنبي – أن يتقدم بالشكر لفرنسا ، لا أن يحاربها .. لأنها حررت بلاده من الحكم العثماني .
مصطفى كمال أتاتورك ، الذي جمع فلول الجيش العثماني المنهزم ، وتصدى للفرنسيين الذين احتلوا كيليكيا ، اتصل بالشيخ صالح للتعاون من باب / عدو عدوك ، صديقك / ..
فأرسل له رسالة مليئة بالعواطف الإسلامية ، مستشهدة بالآيات القرآنية ، داعيا ً إياه للتعاون والتنسيق ، مبديا ً استعداده لتقديم كل عون . وعندما احتلت دمشق ، وتوقفت ثورة هنانو ، وانقطعت المساعدات عن الثورة ، أرسل الشيخ رسله إلى مصطفى كمال ، طالبا ً المعونة التي وعد بها . وعاد الوفد خائبا ً حتى لم يسمح له بمقابلة أتاتورك . وكان ذلك لأن تركيا وفرنسا عقدتا صلحا ً وانسحب الجيش الفرنسي من كيليكيا .
المرحلة الثانية .. أو .. الثورة في الشمال :
وصل الشيخ إلى قرية أخواله ( بشراغي ) ودعا بعض وجوه القرية للبحث في أمر الثورة ، كما فعل أولا ً في مؤتمر الشيخ بدر . وتجاوب الناس معه ، وغالبيتهم بدون سلاح .
ولكن الأحداث سارت بشكل مناسب ، حيث أرسلت فرنسا حملة للقبض على الشيخ ، بعد أن علمت أنه أصبح وحيدا ً لاجند .. ولا سلاح . وحسبت الأمر سهلا ً . فتصدى الشيخ للحملة ، مع ماتيسّر معه من المقاتلين . وكانت المعركة في وادي فتوح .. وهو واد ٍ بين جبلين . وأحرز المقاتلون القلائل نصرا ً عجيبا ً .. فقُتِل الكثير من الفرنسيين ، وفرّ مَن فرّ .. وغنم المقاتلون سلاحا ً وذخيرة . وأصبحت هذه الغنائم رصيدا ً للمعارك القادمة . وتشجّع الناسُ من أهل القرى المجاورة ، فتطوّعوا جنودا ً في الثورة .
إن الثورة في الجنوب قد لقيت دعما ً من الحكومة العربية المستقلة في دمشق ، ومن المدن الداخلية السورية .. أما الثورة في الشمال ، فقد لقيت دعما ً من الزعيم الكبير ابراهيم هنانو . فقد أوفد إليه الشيخ صالح رسلا ً تلقاهم هنانو بالترحاب والاستعداد لتقديم السلاح .. وأرسل معهم أربعة ضباط كبار لمعاونة الشيخ في القيادة . وكان الشيخ صالح يثني على ابراهيم هنانو ، ويقول إن له فضلا ً كبيرا ً في استمرار الثورة ما استمرّت في الشمال .
إن النصر يجلب النصر .. وانتصارات الثورة في الشمال لا تقلّ عنها في الجنوب . ولأن هذا البحث ليس تاريخيا ً للثورة بتفاصيل معاركها ووقائعها . أكتفي – كما فعلت – بذكر بعض بعض مواقعها – كما فعلت عند بحث الثورة في الجنوب – إن معارك البودي ملاحم سطرها المجاهدون ضد تفوّق العدو بعدده وعتاده . ومعركة وادي جهنم تطفو فوق الذاكرة لأن الشيخ خلّد هذه المعركة بشعر جميل تبدو فيه نشوة الظفر فوق كل نشوة .. يقول :
حوّل الطرفَ دون وادي جهنم ْ فالمنايا على حوافيه حُوّمْ
وتصفحْ ذي قارَ .. إن هو إلا خبرٌ ، من حديثه قد تقدّم ْ
لا وقى الله ُ– يا فرنسا – سراياكِ من الموت .. لاحمى ، لا سلّم ْ
ذاكَ وادي جهنم ٍ ، فاصطليه ِ وانهلي ماظمئت ِ صابا ً وعلقم ْ
نهاية الثورة :
قد تكون الهدنة التي عقدتها فرنسا مع تركيا في آذار 1921م لها دور كبير في إنهاء ثورتيّ هنانو وصالح العلي . لقد سحبت فرنسا جيوشها من كيليكيا وتعدادها 50000 جندي ، وزجّتها لمحاربة ثورتيّ هنانو وصالح العلي . وكان من شروط الهدنة أن تمتنع تركيا عن تزويد الثائرين في سورية بالسلاح والعتاد . وهذا ماحصل . فعندما أرسل الشيخ صالح رسله إلى مصطفى كمال لطلب المعونة ، لم يستطع الوفد مقابلة الزعيم ، ولم يحصل على شيء . وكان مصطفى كمال قد أرسل رسالة إلى الشيخ يبدي فيها استعداده لتقديم كل عون .
وفي حزيران 1921م شنت فرنسا هجومها الشامل وعلى جبهة عريضة من الغرب ومن الشرق .. واحتلت كافة المعابر والطرق وقطعت الاتصال بين جبهة الثوار بحيث أصبحت كل فئة تقاتل لوحدها . وقد نجح الكولونيل نيجر هذه المرة في السيطرة على الجبل .
من خلال هذا العرض نستطيع أن نستنتج عوامل انتهاء هذه الثورة .
إن ضعف الموارد في الجبل ، وخاصة الغذاء ، ثم الحصار الذي فرضه الفرنسيون على الجبل والمسالك المؤدية إليه ، ثم عمليات الانتقام التي قامت بها بأشكالها المتنوعة .. أضعفت معنويات الأهلين .. وأصبح لديهم استعداد لوقف القتل والحرق والفقر والجوع . إن أية ثورة تستمر حسب قدرتها على التمويل . إن الثورات التي كان لها منفذ بحري استطاعت أن تعيش طويلا ً . لم يبق منفذ بحري ولا بري .. لم تبق منطقة في سورية خالية من الجيش الفرنسي لتكون عمقا ً للثورة ، تلجأ إليه عند الحاجة . نتذكر الآن اشتباك قوى العالم الكبرى فيما يسمى بالحرب العالمية الأولى ، والتحليلات التي رافقت قيام الحرب : من المنتصر ..؟ ومن الخاسر ..؟ وكل التحليلات كانت خاطئة ، إلا التحليل الذي يقول :
القوة التي تستطيع الاستمرار في تمويل نفسها هي المنتصرة .
إن فقدان السلاح والذخيرة عامل كبير أيضا ً في إنهاء هذه الثورة . ولم يعد السلاح مؤمنا ً ، لا عن طريق حكومة دمشق ، ولا المدن الداخلية المحتلة ، ولا هنانو ، ولا جواب من تركيا .. والسلاح الذي اشترته الثورة من فلسطين وعبر الأراضي اللبنانية ، صادرته فرنسا . ثم إن السيطرة الاستعمارية الفرنسية والبريطانية قد أحكمت قبضتها على كامل الأرض العربية .
اختفاء الشيخ :
لم يستسلم الشيخ أمام الجنود الفرنسيين ، وبحثوا عنه فلم يجدوه ، وحاكموه غيابيا ً وأصدروا حكما ً بإعدامه ، وعمموا هذا الحكم بمنشورات وزعتها الطائرات في كافة أنحاء الجبل ، مع وعد ٍ ووعيد . وعد بجائزة قدرها مئة ألف فرنك لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال الشيخ ، أو يدل على مكان اختبائه . ووعيد بالقتل لمن يؤويه أو يكتم أخباره . واستمر اختفاء الشيخ عاما ً كاملا ً ، وخلال هذا العام بقيت الجيوش الفرنسية في حالة نفير وانتشار .. ولم تعد إلى ثكناتها . لأنها تتخوف من أن يقوم هذا الذي لا تعرف له مكانا ً بثورة مفاجئة . ثم إن وضع النفير والانتشار للجيش الفرنسي كان مرهقا ً ومكلفا ً . فاضطرت فرنسا – وهذا ما أوردته في كتابها الذهبي عن جيش الشرق – لإصدار حكم آخر بحق الشيخ وهو العفو إذا عاد الشيخ واستقرّ في قريته . وكما فعلت في المرة الأولى عممت هذا العفو بالطائرات . ولبّى الشيخ هذا العفو لأسباب ستروى لاحقا ً . وفي مقابلة تاريخية مع الجنرال بيلوت حاكم اللاذقية ، وقف الشيخ مقاتلا ً ولكن هذه المرة دون سلاح .. حيث قال للجنرال :
” .. والله لو بقي معي عشرة رجال بسلاحهم وعتادهم ، لما تركتُ ساحة َ القتال . ”
حجم الثورة :
في تقرير عسكري فرنسي صادر عن سنجق اللاذقية في 6 نيسان 1919م يقدر عدد الأسلحة الموجودة بأيدي الثوار في المنطقة الجبلية الساحلية 30000 حتى 50000 قطعة .
وفي الفترة نفسها يقدّر الضابط جميل ماميش عدد الذين يحملون السلاح في ثورة الشيخ صالح بعشرة آلاف .. يزيدون وينقصون .
والقوات التي اشتركت في الهجوم الأخير على مواقع ثورة الشيخ صالح قدرت ب 23000 مقاتل .
ونجد في وثيقة فرنسية أعدادا ً للقتلى والمفقودين من الجيش الفرنسي خلال فترة 20 شهرا ً من 1 تشرين الثاني 1919م حتى 30 حزيران 1922م من كافة جيش الشرق وهي :
137 ضابط فرنسي
1984 جنود فرنسيين
2106 أفارقة شماليون
1421 أهالي المستعمرات
133 مساعدون من الفرق السورية
_______________
5781
ولنا أن نقدر حصة الثورة الساحلية من هذا العدد .

تمويل الثورة :
ورد خلال السرد ، وبإيجاز هو :
– إن السلاح الذي غنمه الشيخ من مصادقته مع الأتراك ، كان نواة ً للثورة .
– إن ثروة الشيخ تحت تصرف الثورة .
– المقاتلون اشتروا السلاح .. ومنهم من قدّم التبرعات .
– معونات من مناطق سورية الداخلية .
– معونات الملك فيصل في دمشق .
– مساعدات كانت تأتي من السوريين في المهجر الأمريكي .
– سلاح كان يأتي من الزعيم ابراهيم هنانو . وكان الشيخ صالح يصرّح بأنه لولا ابراهيم هنانو لما استمرت الثورة في الشمال ما استمرت .
***************************
محطات صعبة في مسيرة الشيخ صالح :
نميز في مسيرة الثورة ومسيرة قائدها مواقف صعبة ، لابد من ذكرها حرصا ً على موضوعية البحث . ولا يتوهّمن أحد أن مسيرة الثورة كانت بمجملها قفزات عجيبة ، وانتصارات سحرية . أولى هذه المواقف ، عندما كان المجاهدون يحاصرون مدينة بانياس في تموز 1920م . وكان الغرض من هذا الحصار زعزعت التجمعات الفرنسية التي تخطط لاحتلال قلعة المرقب . واحتلال فرنسا للقلعة معناه سيطرت فرنسا على الطريق الساحلي ، وسهولة مرور جيوشها على هذا الطريق شمالا ً وجنوبا ً . وفي أوج القتال ، والأسطول الفرنسي يقصف مدينة بانياس ، وردت أنباء معركة ميسلون واحتلال دمشق .
وقع هذا النبأ على المجاهدين وقع الصاعقة .. وخيّم شعور باليأس والقنوط .. ورأى الكثير من المجاهدين أن لا جدوى من القتال بعد الآن .. ونشط أعداء الثورة بتثبيط الهمم .. والدعوة إلى الاستسلام . وكاد المجاهدون ينفضّون من حول القائد ، لولا شجاعته وشجاعة ضباطه معه . وكان موقفه الشخصي ومعنوياته العالية سببا ً في استمرار القتال ، والحيلولة دون الهزيمة . ولكي يواجه الموقف المستجدّ ، أصدر أوامره بالاقتصاد بالذخيرة .. وعدم إطلاق رصاصة واحدة إلا في المعركة . وتوجّه بنداء إلى أهل المناطق الداخلية لإنجاد الثورة ، قبل أن يكتمل الاحتلال الفرنسي .. ولقي النداء آذانا ً صاغية .. خاصة في مدينة حماه .
والمحطة الثانية كانت إثر الهجوم الذي أنهى القتال في الجنوب .. والذي كان خدعة بارعة من الجنرال غورو الذي استطاع إيهام المجاهدين أن الهجوم من الشرق .. فتحولوا باتجاه الهجوم شرقا ً ، وعندها بدأ الهجوم الحقيقي من الغرب ، فاحتلت الشيخ بدر وماحولها من القرى .. أي، مركز قيادة الثورة، وقرى المجاهدين. وأصبحت النساء والأطفال رهائن بيد الفرنسيين . فبدأ المجاهدون يعودون إلى قراهم المحتلة ، بحثا ً عن أسرهم .. ولم يبق مع الشيخ إلا ثلاثة مجاهدين فقط .. توجه بهم شمالا ً .
وخسر الشيخ إثر هذه الهزيمة رجلا ً شجاعا ً ، وقائدا ً مخلصا ً ، هو / غالب الشعلان / الذي كان الملك فيصل قد أوفده لمساعدة الشيخ . وقد عرض غالب الشعلان على الشيخ أن يرافقه إلى البادية السورية ، ليكون في مأمن من قبضة الفرنسيين .. فاعتذر الشيخ .. وودعا بعضهما وداعا ً حارّا ً .
المحطة الثالثة ، هي مرحلة الاختفاء الذي استمرّ عاما ً كاملا ً ، ينتقل الشيخ خلاله من ملجأ إلى ملجأ .. لا يستقرّ في مكان .. وقد أمعن في إخفاء مظهره . وفرنسا تنكل بالأهلين ، والموالين ، والمناصرين له .. وخاصة أهله وأقرباءه . مما جعله يفكر بالاستسلام .. ولو أن حكم الإعدام ينتظره .. فيريح ، ويستريح .
كلمات ثلاث لا بدّ منها :
الأولى : إن الثورة حالة إنسانية راقية .. ولكن الحرب جريمة ، تبتلع كل الجرائم .
إن القارئ للتاريخ يعلم أن أية حركة فاعلة في المجتمع ، لم تخلُ ممن اتخذها وسيلة لمآرب خاصة .. وحقق مصالحه ومفاسده من خلالها .. مستترا ً بثورة ، أو زعيم ، أو عقيدة ..
لقد اضطرّ ابراهيم هنانو لتشكيل قوة من الشرطة لمنع السرقة والنهب وردّ المسلوبات إلى أصحابها . ولما رأى سلطان الأطرش أن فرض عقوبات على الخونة تحول دونه العصبيات العائلية ، والعشائرية .. شكل قوة من الشباب الذين أقسموا اليمين على معاقبة المسيئين ، بما فيهم الذين يكتشف في بيوتهم حوائج مسلوبة .
وشكل الشيخ صالح محكمة أمن الثورة ، لمحاكمة المتعاملين مع العدو ، والمسيئين للثورة بأي شكل من أشكال الإساءة . وأعضاء هذه المحكمة أول من نفذت فيهم فرنسا حكم الإعدام ، بعد محاكمة صورية سريعة .. وتركتهم ثلاثة أيام معلقين على أعواد المشانق .
الثانية: لم يكن الشيخ أمّيا ً كما ذكرت الكتب المدرسية أول مرة تتحدث عن هذه الثورة.
لقد كان الشيخ قارئا ً جيدا ً .. قرأ التاريخ العربي .. وتعرّف على أيام العرب .. ولم ينقطع عن تلاوة القرآن .. وتعلم قواعد اللغة العربية .. وكان شاعرا ً .. ولا نجد في شعره أي خطأ نحوي . وللشيخ ديوان شعر واسع .. ولستُ في صدد الحديث عن شعره .. بل أوجز وأقول .. أن شعره يشبه شعر عصر اليقظة العربية .. فهو يدعو إلى نبذ التعصّب .. والتخلص من الجهل .. والتحرر من الاستعمار .. وأكتفي بهذا المثال :

يا بني أمتي نصيحة خِل ّ ٍ مخلص ٍ .. في أموركم قد تبصّرْ
لا تُضيعوا الوئامَ ..لا تضمروا الحقدَ فعقبى الشقاق ِ ذلّ ٌ مقرّرْ
وثبة ً للعلاء ِ .. يا أمة َ الشرق ِ فما الحُرّ غيرُ من يتحرّرْ
الثالثة : لم يطلب الشيخ أيّ مكسب شخصيّ من ثورته . لم يقبل أن تكون للعلويين دولة خاصة يكون رئيسا ً لها ، أو مسؤولا ً فيها . ولم يقبل الراتب الشهري الذي عرضه عليه الحاكم الفرنسي في اللاذقية .. الذي استسلم أمامه . ولم يتقدم خلال حياته بعد الثورة لأي منصب أو مسؤولية . حتى أنه لم يرشح نفسه لعضوية البرلمان السوري .
لماذا ..؟ قد يكون الجواب فيما قاله للجنرال بيلوت ، ردا ً على سؤاله :
– لماذا قمتَ بكل هذه الأعمال القتالية ..؟
فأجاب :
– إنه حبّ الوطن .
اسماعيل اسماعيل
***************************
اسماعيل اسماعيل :
موجّه تاريخ ، متقاعد ..
من مواليد قرية ( المريقب ) في محافظة طرطوس .. عام 1942م ..
متزوج .. وليس لديه أبناء ..
يعمل الآن في الزراعة .. ويملأ فراغه بالمطالعة ..
***************************
***************************
مـجـد سـوريـة 2008

WWW.MAJDSYRIA.WORDPRESS.COM

***************************‏

عدد القراء

free counters

تعليقات الفيسبوك

تعليقات الموقع

  1. kenanphoenix
    رد

    التاريخ يصنعه العظماء…. ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الشيخ صالح العلي أحدهم بجدارة..

  2. علوش
    رد

    تحيا ثورة الشيخ صالح العلي وتحيا الشيخ بدر وسكانها حرة أبية

  3. محمد عزيز سرور
    رد

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

    أريد منكم أيها الأخوة الكرام . كل ما يوثق ثورة الشيخ صالح العلي
    من كتب ومصادرها ومراسلات تمت بينه وبين باقي أعضاء الثورة السورية , ولكم جزيل الشكر .

  4. محمد عزيز سرور
    رد

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

    أدعوكم أيها الأخوة الكرام . لزيارة موقعنا ذو الفقار , وإعلان رابطه لديكم , وستجدون إن شاء الله تعالى ما يسركم .. أهلا ً وسعلا ً بكم إخوة كرام .. وفقا الله وإياكم ..

  5. باسل
    رد

    الاخ الكريم :
    لقد ذكرت مجموعة من المراجع التي اعتمد عليها ومن خلال متابعتي واهتمامي بالشيخ صالح العلي علمت مؤخراً با نه تم في الجامعة اللبنانية مناقشة رسالة ماجستير لللطالب عاطف خزامة تحمل عنوان الشيخ صالح العلي ونا الطالب على المناقشة درجة 85 وشكراً

اترك رد