اعلان شهد 1

بقلم: صالح محمود سلمان

عندما تحقق الاستقلال بجلاء الفرنسيين عن سورية عام 1946 ، عمّت الاحتفالات أرجاء البلاد كلها ، إذ ليس هناك أثمن من الحرية ، أليست الجوهر الحيويّ للحياة ؟! وعندما يعمّ الفرح ، يعني أنّ الحياة قد لبست وجهها الحقيقي ، أو قل استعادت وجهها الحقيقيّ .
وفي دمشق ، القلب النابض على الدوام ، كان الاحتفال المركزي بهذا الإنجاز العظيم ، حيث ضم بين ذراعيه الثوّار المجاهدين الذين صنعوا الاستقلال . فقد توافدوا من كل بقاع سورية العربية ، وكلٌّ منهم يحمل في قلبه ورأسه ذكريات لا أروع ، ووجوهاً لا أنصع ، لأولئك الشهداء الذين سقطوا ، بل ارتفعوا ، وهم يكتبون اسم وطنهم الحر على جبين الشمس بأرواحهم الطاهرة .
توهّج الشعر وهو يغرّد ويجلجل ويرسم ، وتألّقت الكلمات شهباً في سماء دمشق ، ينقل نسيم الحرية ضياءها وأريجها إلى كل مكان ، فكيف إذا كانت تلك الكلمات لثائر خاطب المستعمرين زمناً ، بالبندقية لغةً ، وبالرصاص بياناً ، فجاء خطابه موتاً زؤاماً لهم ، ونصراً مشرقاً للوطن ؟! إنه المجاهد الشيخ صالح العليّ ، قائد الثورة في الجبال الساحلية ، التي كانت الثورة السورية الأولى في وجه المستعمر الفرنسي .

الشيخ
جاءت كلمته التي ألقاها في الاحتفال واضحة وضوح رؤيته ، مضيئة كأفكاره النيّرة ، معبّرة عن تطلّعه للحياة ونظرته إليها ، فكانت وثيقة هامّة تُضاف إلى تاريخه النضالي والأدبي ، وهو الشاعر الملتزم المنافح عن القضية التي آمن بها ، وهي قضية تحرر الوطن والإنسان ، وتقدّمهما ورقيّهما مادياً وروحيّاً .
وسوف أعمد في السطور التالية إلى استعراض الأفكار الأساسية التي وردت فيها واحدة فواحدة ، ذاكراً المقطع الذي يقابل كل فكرة ، لأنتهي إلى عرض الخطاب كله .

المجاهد الشيخ صالؠالعلي
أولاً : الافتتاح بتوجيه التحية إلى دمشق العروبة ، وإلى المجاهدين ، وإلى كل عربي ّصادق مخلص ، على أن هذا خير مقدمة ، وخير افتتاح لموضوع في هذه المناسبة العظيمة والهامّة :
” السلام عليكم يا إخواني المجاهدين ، السلام عليك يا مهد العروبة يا دمشق ، السلام على كل عربي صادق مخلص ” . وأردف ذلك بآية من القرآن الكريم تتناسب مع واقع الحال ، وكأنه يكمل فكرته بها : ” وما جعله الله إلاّ بشرى لكم ، ولتطمئنّ قلوبكم به ، وما النصر إلاّ من عند الله العزيز الحكيم ” ( آل عمران 126 )
ثانياً : الانتقال إلى استعراض ذكريات الجهاد الذي قاده ، والمعارك التي خاضها برفقة المجاهدين الأبطال الذين صدقوا ما عاهدوا الله والوطن عليه ، فأبلوا البلاء الحسن دفاعاً عن الوطن والشعب والمقدسات ، متوقّفاً عند الشهداء العظماء الذين رووا بدمائهم الزكية تراب الوطن لكي ينبت الاستقلال ، وتتفتّح أزهار الحرية يانعة شذيّة . من دون أن يغفل ذكر صفات المجاهدين ودواعي جهادهم ، أو بعض مواصفات الجهاد نفسه ، وكأنهم بذلك يريهم صورة المجاهد الحق الذي مثّله أصدق تمثيل : ” أيها السادة : إن ضجة هذا العيد السعيد ، وروعة هذا الاحتفال المهيب ، وعظمة هذا النصر المبين ، لتغرقني في ضجيج من الذكريات ، أتمثّل فيها سنيّ الثلاث والنصف في نضالها الدائم ، ومعاركها المستمرّة ، وهي معارك لم يتعرف قطر ثائر على أشدّ منها فتكاً ، ولا أروع هولاً ، ولا أطول مدّة ، ولا أكثر ضحايا . فلحمد لله الذي أحياني حتى رأيت نتائج جهاد الأمّة ، وحتى رأيت الشعب يقطف ثمرات جهاده الطويل . وإني لأتمثّل الآن إخواني الأبطال الذين سقطوا صرعى في ميادين الشرف والجهاد ، وأولئك البواسل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فما تراخت لهم عزيمة ، ولا فترت لهم همّة ، وما ضعفت في نفوسهم حدّة القتال ، ولا خمدت فيهم جذوة النضال ، ” رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى ومنهم من ينتظر ” ( الأحزاب 23 ) ، فأمّا الذين قضوا ففي سبيل الله والوطن ، وأمّا الذين ينتظرون ، فهم يعتقدون أنّ إنكار الذات ، والبعد عن التبجّح ، والنّفرة من المظاهر ؛ إن هي إلاّ نوع من الجهاد ، بل هي من أقدس الجهاد ” والله لا يضيع من أحسن عملا ” .

الشيخ بدر

ثالثاً : التأكيد على أنّ الاستقلال الذي يحتفل الآن به ، ما كان له أن يتمّ ، لولا نضال أولئك الأبطال الميامين على امتداد الوطن ، ولولا تلك الدماء الزكية الطاهرة التي أُريقت بكلّ حبّ وجود . فلكي يسلم الشرف الرفيع من الأذى ، لا بدّ من تسييجه بالدماء والأرواح .
” أيها السادة : إنّ الاستقلال الذي نتمتع به الآن طليقاً من كل قيد ، نقيّاً من كل شائبة ، إ، هو إلاّ ثمرة جهاد طويل ، أريقت فيه دماء زكيّة ، واستشهد فيه أناس كثيرون ( وما يلقاها إلاّ الذين صبروا ، وما يلقاها إلاّ ذو حظّ عظيم ) ( فصلت 35 ) . وإن هذا اليوم الضاحك الطروب الذي تنفست فيه أنجاد سورية ووهادها الصعداء ، لهو الحلم الهانىء الذي أغمض عليه الشهداء أعينهم تحت أزيز الرصاص ودويّ المدافع . وهو اليوم الذي سفكت من أجله
دماء الأبطال في جبال العلويين والدروز والزاوية ، وفي كل بقعة من بقاع هذا الوطن العزيز ” إنه اليوم الفصل الذي كنتم توعدون ” . ”
ثم يلتفت إلى إزجاء التحيات إلى أولئك الرجال الذين قاوموا السياسات الخائنة المفسدة ودحروها ،( ونشير هنا إلى أنّ المجاهد الشيخ قد عانى كثيراً من الخيانة ) . فهي الداء الذي يفتك بالوطن والشعب ، ولطالما حذّر منها ، وسفّه أهلها واحتقرهم . ” فتحية العروبة والجهاد نهديها إلى أرواح أولئك المجاهدين الذين ماانفكّوا يضربون بسيف عقيدتهم الراسخة ، ويطعنون بسنان إيمانهم الصادق ، أكباد السياسة الخائنة التي عاثت فساداً بحظائر هذا الوطن حتى أذهب الله عنه رجس الاستعمار وطهّره تطهيرا . الحمد لله الذي صدق وعده ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) ( البقرة 249 ) .

رابعاً : البعد القومي للجهاد ، فاستقلال سورية لا يكفي ، ولا يعني أنّ الجهاد قد توقّف . فهناك أقطار عربية مازالت ترزح تحت وطأة جور المستعمر وظلمه ، وتمام الاستقلال وانتهاء النضال العسكري لا يتمّان إلاّ حين تتحرّر الأقطار العربية كلّها . وبالتالي ، فواجب الجهاد مازال قائماً .
” ولكن المجاهدين السوريين لا يعتبرون أنّ واجبهم في الجهاد قد انتهى ، ما لم تجْلُ الجيوش الأجنبية عن كافة الأقطار العربية ”
خامساً : التركيز على مرحلة ما بعد الجلاء ، أي مرحلة الجهاد الأكبر ، المتمثلة بالبناء الداخلي السليم المتين ، الذي يتمّ من خلال ما يلي :
1-الحذر الدائم من غدر المستعمر ، والجدّ المتواصل والعمل الدؤوب .
2-التكاتف والتضامن والإخاء ( الوحدة الوطنية ) .
3- القضاء على التفرقة والتعصّب ، وكلّ ما يعوق تقدّم الشعب ووحدته .
4-إيثار الصالح العام على الصالح الخاص .
5- معرفة كل فرد لواجباته والقيام بها على أكمل وجه .

” أيها السادة : أحبّ ألاّ تقعد بكم سلافة الفوز عن القيام بالواجبات المفروضة على كلٍّ منكم تجاه أمّته وبلاده ، وهي واجبات جسيمة تتطلّب منكم السهر والحذر والعمل بلا إبطاء ، والجدّ بلا تهاون . فالبلاد الآن بأمسّ الحاجة إلى جهود أبنائها العاملين ورجاها المخلصين ، لإصلاح ما أفسده المستعمر ، وللقضاء على طائفية بغيضة ، ورجعية مقيتة . فنحن لا نزال في صميم الجهاد ، لقد انتهينا من جهاد أصغر إلى جهاد أكبر ، ونحن أحوَجُ ما نكون إلى التكاتف والتضامن ، وإلى الإخاء والتعاون . وإنّ أيّ انحلال في الصفوف من شأنه أن يؤثّر على سفينة الإصلاح ، وقد قال تعالى : ” ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ” ( الأنفال 46 ) . وإنّ إيثار الصالح العام على الصالح الخاص هو فرض واجب على كلّ وطنيّ مخلص . وإنّ اللأمور لا تستقيم ولا تستقرّ إلاّ إذا عرف كلّ واحد من الأمّة واجبه ، فقام به خير قيام . ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ) ( إنّ اله مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون ) . وبعد ذلك يختتم كلمته محيّياً العلَم الوطنيّ ، هاتفاً باسم سورية الحبيبة طالبا من الحضور مشاركته في ذلك : ” حيّوا معي هذا العلم المفدّى ، واهتفوا باسم سوري الحبيبة ، وباسم فخامة السيد شكري القوّتلي ، قائد نهضتها الجبارة المظفّرة ” .
ختاماً نقول :
لقد عبّر المجاهد الشيخ صالح العليّ في خطابه عن أفكاره ورؤاه وعقيدته وإيمانه بالله والوطن ، فرأينا فيها المنطقيّة والموضوعية والوطنية الصادقة ، واتحاد الذات بالجماعة ، والوفاء لذكرى الشهداء ، والرؤية القومية الواعية ، إلى جانب الرؤية المستقبلية ، وفهم الواقع وإدراكه جيّداً ، من دون إغفال متطلّبات المستقبل .
رحم الله المجاهد الشيخ ، ورحم المجاهدين جميعاً ، أولئك المنارات التي تنير دروب الوطن ، والتي لا يزيدها قدم الزمان إلاّ تألُّقاً وجِدَّةً . وتحية لروح القائد الخالد ” حافظ الأسد ” المجاهد الأصيل الذي كرّمهم ، فكرّم بهم الوطن والشعب ، وأرسى قيم النضال ، معبّراً عن عروبته الأصيلة وسموّ روحه وكرم نفسه . وتحيّة للجاهدين الأبطال في لبنان وفلسطين وهم يكملون ما بدأه أجدادهم الميامين في سبيل تحرير الوطن والإنسان .

salehsalman53@gmail.com

***************************
مـجـد سـوريـة 2009

WWW.MAJDSYRIA.CO.CC

***************************‏

عدد القراءات

free counters

تعليقات الفيسبوك

تعليقات الموقع

  1. محمد علي محمد
    رد

    سيبقى اسمك وساما على صدورنا ياسيدي الشيخ صالح العلي.
    فقد اثبت لعالم كله كيف يكون الحب و الاخلاص في سبيل الحفاظ على كرامة الوطن.

  2. محمد عزيز سرور
    رد

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

    أدعوكم أيها الأخوة الكرام . لزيارة موقعنا ذو الفقار , وإعلان رابطه لديكم , وستجدون إن شاء الله تعالى ما يسركم .. أهلا ً وسعلا ً بكم إخوة كرام .. وفقا الله وإياكم ..

اترك رد